ابن عربي

195

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

من مثل كسرى شهنشاه الملوك لهم * ميل وهدي يؤم الجيش أرسالا للّه درهم من فتية صبروا * ما إن رأيت لهم في الناس أمثالا بيض مرازبة غلب حجا حجة * أسد يربين في الغيضات أشبالا يرمون عن شدف كأنها غيظ * بزمخر تعجل المرمى إعجالا لا يضجرون وإن كلّت نوائلهم * ولا ترى منهم في الطعن ميّالا أرسلت أسدا على سود الكلاب فقد * أضحى شديدهم في الناس إقلالا فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفعا * في رأس غمدان دار منك محلالا واشرب هنيئا فقد شالت نعامتهم * واسبل اليوم في برديك إسبالا تلك المكارم لا قعبان من لبن * شيبا بماء فعادا بعد أبوالا قال : فاستأذنوا عليه ، فأذن لهم ، فإذا الملك متضمّخ بالعنبر ينطف ، وبيض المسك من مفرقه ، وعن يمينه وعن شماله الملوك وأبناء الملوك والمقاول ، فلما دخلوا عليه دنا منه عبد المطلب فاستأذن في الكلام ، قال له سيف بن ذي يزن : إن كنت ممن يتكلم بين يدي الملوك فقد أذنّا لك . فقال عبد المطلب : أيها الملك ، إن اللّه قد أحلّك محلا رفيعا شامخا منيعا ، وأنبتك منبتا طابت أروبته ، وعذبت جرثومته ، وثبت أصله ، وبسق فرعه ، في أطيب موطن ، وأكرم معدن ، فأنت أبيت اللعن رأس العرب ، وربيعها الذي تخصب به ، وأنت أيها الملك رأس العرب الذي له تنقاد ، وعمودها الذي عليه العماد ، ومعقلها الذي يلجأ إليه العباد ، سلفك لنا خير سلف ، وأنت لنا منهم خير خلف ، فلم يهلك من أنت خلفه ، ولم يخمد ذكر من أنت سلفه ، نحن أيها الملك أهل حرم اللّه ورسوله ونبيّه ، أشخصنا إليك الذي أبهجنا لكشف الكرب الذي فدحنا ، ونحن وفد التهنية لا وفد المرزية . فقال سيف بن ذي يزن : وأيهم أنت أيها المتكلم ؟ قال : أنا عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف . قال : ابن أختنا . قال : نعم . فأدناه ثم أقبل عليه وعلى القوم . قال : مرحبا وأهلا ، وناقة ورحلا ، ومناخا سهلا ، وملكا رعلا ، يعطي عطاء جزلا . قد سمع الملك مقالتكم ، وعرف قرابتكم ، وقبل وسيلتكم ، وأنتم أهل الليل والنهار ، لكم الكرامة إذا أقمتم ، والحباء إذا أظعنتم ، انهضوا إلى دار الضيافة والوفود . وأمرهم بالإنزال ، فأقاموا شهرا لا يصلون إليه ، ولا يؤذن لهم في الانصراف . ثم انتبه لهم انتباهة ، فأرسل إلى عبد المطلب دونهم ، فلما دخل عليه أدناه وقرّب مجلسه واستحباه ، ثم قال له : يا عبد المطلب ، إني مفوّض إليك من سرّ علمي ما لو غيرك يكون لم أبح به ، ولكن وجدتك معدنه ، فأطلعتك طلعه ، فليكن عندك مطويا حتى يأذن اللّه فيه ، فإن اللّه تعالى بالغ أمره ،